ابن تيميه

50

شرح العقيدة الإصفهانية

لم يتم ، فكيف إذا لم تقرر مقدماته بل ولا تثبت ونحن نزيد على ما ذكره على وجه تقريره . فأما قوله : ( فالدليل على وجوده الممكنات لاستحالة وجودها بنفسها ، واستحالة وجودها بممكن آخر ضرورة استغناء المعلول بعلته عن كل ما سواه وافتقار الممكن إلى علته ) ؛ فهذا الدليل مبني على مقدمتين : إحداهما : أن الممكنات موجودة . والثانية : أن الممكن لا يوجد إلا بواجب الوجود . والمقدمة الأولى لم يقررها بحال ولا يمكن أن يسلك في ذلك طريقة ابن سينا « 1 » ، وأمثاله من المتفلسفة الذين قالوا : نفس الوجود يشهد بوجود واجب الوجود « 2 » ، فإن الوجود إما ممكن وإما واجب والممكن مستلزم للواجب فثبت وجود الواجب على هذا التقرير . فإن هذه الطريقة وإن كانت صحيحة بلا ريب لكن نتيجتها إثبات وجود واجب ، وهذا لم ينازع فيه أحد من العقلاء المعتبرين ولا هو من المطالب العالية ، ولا فيه إثبات الخالق ولا إثبات وجود واجب أبدع السماوات والأرض كما يسلمه الإلهيون من الفلاسفة كأرسطو وأتباعه المشائين ، وإنما فيه أن الوجود وجود واجب ، وهذا يسلمه منكروا الصانع كفرعون والدهرية المحضة من الفلاسفة والقرامطة « 3 » ونحوهم ويقولون إن هذا الوجود واجب الوجود بنفسه وإلى هذا يؤول أهل الوحدة القائلين بأن الوجود واحد فإنهم يقولون في آخر الأمر : ما ثم موجود مباين للسماوات والأرض ، وما ثم غير وجود الموجود الممكن .

--> ( 1 ) هو الفيلسوف أبو علي الحسين بن عبد اللّه بن الحسن بن علي بن سينا البلخي ثم البخاري صاحب التصانيف في الطب والفلسفة والمنطق ، ولد في صفر سنة سبعين وثلاث مائة ، وتوفي في رمضان سنة ثمان وعشرين وأربع مائة . انظر ترجمته في السير ( 17 / 531 ) والبداية والنهاية ( 12 / 42 ، 43 ) ولسان الميزان ( 2 / 291 - 293 ) وشذرات الذهب ( 3 / 234 - 237 ) . ( 2 ) تقدم تعريفه . ( 3 ) القرامطة حركة باطنية هدّامة تنتسب إلى شخص اسمه حمدان بن الأشعث ويلقب بقرمط لقصر قامته وساقيه وهو من خوزستان في الأهواز ثم رحل إلى الكوفة ، وقد اعتمدت هذه الحركة التنظيم السري العسكري وكان ظاهرها التشيع لآل البيت والانتساب إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق وحقيقتها الإلحاد والإباحية وهدم الأخلاق والقضاء على الدولة الإسلامية .